• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    الملامح التربوية المستنبطة من آية {قل إن كنتم ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    مراتب المؤمنين
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    مع سورة الإنسان
    د. خالد النجار
  •  
    كلمة وكلمات (19)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    تحفيز النفس على النوافل (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    نداء الحق والصلاة
    عمير الجنباز
  •  
    ارجموا شياطينكم (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    خطبة: الجنة التي أعدت للمتقين
    سليمان العقيلي
  •  
    مسلمو الهند وأول واجباتهم
    أسيد بن محمد
  •  
    مواطن الرحمات (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    مفهوم المجمل
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    ذهاب الحسنة بالسيئة (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    الإلحاد المعاصر في القرآن الكريم
    د. محمد بن علي بن جميل المطري
  •  
    تحريم المن وأنه مدعاة للرياء ودليل على أن العمل ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تفسير قوله تعالى: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

الملامح التربوية المستنبطة من آية {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] (2)

الملامح التربوية المستنبطة من آية {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 7/7/2026 ميلادي - 21/1/1448 هجري

الزيارات: 76

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الملامح التربوية المستنبطة من قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ... ﴾ [آل عمران: 31] (2)


الثالث عشر: من دلائل محبة الله تعالى لعباده أن يُلقي لهم القَبول في الأرض، ويجعل لهم المحبة في قلوب عباده الصالحين، وهو أثرٌ من آثار محبة الله لعبده الصادق في اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ‌ثُمَّ ‌يُوضَعُ ‌لَهُ ‌الْقَبُولُ ‌فِي ‌الْأَرْضِ"[1].

 

الرابع عشر: أوضح أهل العلم دلائل وعلامات محبة الله تعالى للعبد، فمن ذلك:

• قال ابن عطية رحمه الله: "ومحبة الله للعبد أَمارتها للمتأمل أن يُرى العبد مهديًّا مُسدَّدًا، ذا قَبول في الأرض، فلطفُ الله بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته"[2].

 

• ذكر القرطبي رحمه الله: "أن محبة الله للعبد تظهر أيضًا في مغفرته وإحسانه إليه، واستدل بقول الله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32]؛ أي: لا يغفر لهم"[3]، فالمغفرة أثرٌ من آثار المحبة، كما أن الحرمان منها دليلٌ على البُعد من الله.

 

• قال السعدي رحمه الله كما جاء في تفسيره للآية محور المقال: "فمن اتَّبع الرسول دل على صدق دعواه محبةَ الله تعالى، وأحبَّه الله وغفَر له ذنبه، ورحِمه وسدَّده في جميع حركاته وسكناته"[4]، وفي موضعٍ آخرَ قال رحمه الله: "وإذا أحب الله عبدًا قبِل منه اليسير من العمل، وغفَر له الكثير من الزَّلل"[5].

 

• قال عبد السلام الشويعر: "ليعلم المسلم أنه كلما صُرِفت عنه أسبابُ المعصية، وحبِّبت إليه أسبابُ الطاعة؛ فإن هذا من محبة الله له جل وعلا".

 

الخامس عشر: إن مقياس المحبة الصادقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، هو الاستجابة الكاملة لأوامرهما، والانقياد التام لما يُحبه الله ورسوله، وترك ما يُبغضانه، وكما قيل:

‌لو ‌كان ‌حُبُّكَ ‌صادقًا لأَطَعْتَهُ
إِنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مُطِيعُ

ولابن رجب رحمه الله كلامًا يُكتب بمداد من ذهبٍ حول المحبة الصادقة لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، قال: "فمَن أحبَّ الله ورسوله محبةً صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أن يُحب بقلبه ما يُحبه الله ورسوله، ويَكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى بما يرضى الله رسوله، ويُسخط ما يُسخطه الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك، بأن ارتكَب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترَك بعض ما يُحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوبَ من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة"[6].

 

ولذلك جاءت دعوة الله للمؤمنين صريحةً في كتابه، تُحفِّزهم إلى هذا الاتباع الصادق، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]، وأوضح السعدي رحمه الله معنى هذه الآية بقوله: "يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم، وهو الاستجابة لله وللرسول؛ أي: الانقياد لما أمَرَا به، والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نَهَيَا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه، وقوله: ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾، وصف ملازمٌ لكلِّ ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحِكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى، ولزوم طاعته، وطاعة رسوله على الدوام"[7].

 

السادس عشر: إن المحبة الصادقة لله تعالى لا تُثبَت بالكلام فقط، بل تظهر في الامتثال الفوري والانقياد الكامل لأوامره، كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم، ويتضح ذلك جليًّا في موقف عظيم يُمثل أرقى صور الطاعة والاستجابة لله ورسوله، حينما نزل تحريم الخمر تدريجيًّا، تهيئةً للنفوس واستصلاحًا لها، حتى جاء البيان الحاسم في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91]، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُلح في الدعاء، قائلًا: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا"، فلما نزلت هذه الآية، دُعي عمر رضي الله عنه فقُرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾، قال رضي الله عنه: "انتهينا، انتهينا"[8].

 

السابع عشر: من لوازم صدق المحبة والاتباع أن تكون الطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شاملة للظاهر والباطن، علانية وسرًّا، فلا يكفي أن يُظهر الإنسان الطاعة في حضرة الناس أو في العلن، ثم يخالف ذلك في الباطن، أو حين يَغيب عن أعينهم، فإن هذا من صفات المنافقين الذين حذَّر القرآن الكريم منهم أشد التحذير؛ قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81]، وأوضح ابن كثير رحمه الله معنى ذلك: "﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾: يُخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة، ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾؛ أي: خرجوا وتوارَوا عنك، ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾؛ أي: استسروا ليلًا فيما بينهم بغير ما أظهروه، فقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾؛ أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمُر به حفظتَه الكاتبين"[9].

 

وهذا الملمح يؤكد أن المحبة الحقيقية لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لا تكتمل إلا بطاعة صادقة مستقرة في القلب، يظهر أثرُها في القول والعمل في كل حالٍ، فلا رياء فيها ولا نفاق، فالمؤمن لا يُخالف باطنه ظاهره، بل يتجلَّى صدق اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم في السر كما في العلن.

 

الثامن عشر: من علامات الحرمان وغياب توفيق الله تعالى أن ينحرف المسلم عن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي الطاعة التي تتجلى فيها أسبابُ الخير والصلاح في الدنيا والآخرة، ومن أعظم صور هذا الحرمان: اتباع غير منهج الله تعالى، سواء في العقائد الفاسدة المنتشرة اليوم، أو في الاحتكام إلى القوانين والأنظمة الوضعية التي تخالف العقل السوي، والفطرة السليمة التي فطَر الله الناس عليها، لا سيما حين تمسُّ هذه الانحرافات جوانبَ العقيدة أو التشريع أو الأخلاق، وقد حذَّر القرآن الكريم من هذا المسلك، فقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ [الأنعام: 116]، قال السعدي رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، محذرًا عن طاعة أكثر الناس: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم وأعمالهم، وعلومهم، فأديانهم فاسدة، وأعمالهم تبعٌ لأهوائهم، وعلومهم ليس فيها تحقيق، ولا إيصال لسواء الطريق، بل غايتهم أنهم يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، ويتخرصون في القول على الله ما لا يعلمون، ومن كان بهذه المثابة، فحَرِي أن يُحذِّر الله منه عبادَه، ويصف لهم أحوالهم؛ لأن هذا وإن كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن أُمته أُسوة له في سائر الأحكام التي ليست من خصائصه"[10].

 

التاسع عشر: لا شك أن بلوغ محبة الله تعالى لا يكون إلا بطاعته، والتمسك بكتابه العزيز، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، غير أن العبد في ذلك كله يظل فقيرًا إلى ربه عز وجل، محتاجًا إلى عونه وتوفيقه وسداده، فبيده وحدَه الحول والقوة، ومن أهم الوسائل التي تُعين العبد على الثبات في طاعة الله تعالى: الإكثار من الدعاء، خصوصًا في أوقات الإجابة، والتضرع إليه بالتوفيق والهداية، فإن الدعاء من أعظم أبواب العبادة، بل هو جوهرها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "‌الدُّعَاء ‌هُوَ ‌الْعِبَادَةُ"[11].

 

وقد بيَّن القرآن الكريم حال أنبياء الله الذين أدركوا عظمة توفيق الله لهم، فها هو نبي الله شعيب عليه السلام يقول: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]، وعلَّق الرازي رحمه الله على هذه الآية بقوله: "بيَّن بهذا أن توكُّله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق الله تعالى وهدايته، واعلم أن قوله عليه السلام ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ إشارة إلى محض التوحيد، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى"[12].

 

العشرون: الأدعية المعِينة على التوفيق لطاعة الله تعالى أكثر من أن تُحصى، وقد ذكرها وشرحها أهل العلم الثقات في مؤلفات خاصة يُرجَع إليها لمن أراد المزيد، وسأكتفي هنا فقط بالإشارة إلى ما له ارتباط وثيق ببلوغ محبة الله تعالى، وهو دعاء شريف جمع بين المحبة والعمل، ودلَّ على أصل الاتباع وثمرته؛ قال صلى الله عليه وسلم: "كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ؛ يَقُولُ: ‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَسْأَلُكَ ‌حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ"[13].

 

وعلَّق ابن رجب رحمه الله على هذا الحديث بقوله: "هذا الدعاء يجمعُ كلَّ خير، ‌فإن ‌الأفعال ‌الاختيارية ‌من ‌العباد ‌إِنَّمَا ‌تنشأ ‌عن ‌محبة ‌وإرادة، فإن كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد، نشأت عنها حركات الجوارح، فكانت بحسب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحبَّ ما يحبه الله من الأعمال والأقوال كلها، ففعل حينئذ الخيرات كلها، وترك المنكرات كلها، وأحب مَن يحبه الله من خلقه، وهذا الدعاء كانت الأنبياء عليهم السلام تدعو به؛ كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن داود عليه السلام كان يقول: ‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَسْأَلُكَ ‌حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ"[14].

 

الواحد والعشرون: إن العبد المحب لله تعالى والمُجتهد في تكميل عبادته، من خلال التزامه الدائم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، قد يقع منه خطأ أو زلَّة عابرة، بسبب تسلُّط الشيطان عليه، أو استجابة لنفسه الأمَّارة بالسوء، أو لكليهما معًا، وقد قرَّرت الشريعة الإسلامية أن الوقوع في الذنب أمرٌ بشري لا ينفكُّ عنه الإنسان، مهما بلغ من الصلاح، ما دام في دائرة المجاهدة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "‌كلُّ ‌ابْنِ ‌آدَمَ ‌خَطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوابُونَ"[15].

 

كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201]، وأضح ابن باز رحمه الله معنى الآية بقوله: "﴿ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾؛ يعني: شيئًا من نزغاته ووساوسه التي تُميلهم إلى الباطل، ﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ ما عليهم من حقِّ الله، وتذكَّروا ما يجب عليهم من تعظيم الله وطاعته، فأفاقوا ورجعوا إلى الحقِّ، واستقاموا عليه"، ومع ذلك يمكن القول: إن الوقوع في الزلل لا يُبطل أصل المحبة، ما دام العبد يُسارع إلى التوبة، ويجاهد نفسه للرجوع والاستقامة.

 

الثاني والعشرون: قد يقع العبد الصادق في محبته لله تعالى في معصية أو زلة بسبب بشريته وضَعفه، فيُعاقبه الله تعالى على ذنبه، لكن هذه العقوبة ليست عقوبة انتقام، بل هي تربية رحيمة، يُقصَدُ بها تنبيهُه وتحذيره؛ لئلا يعود إلى الذنب مرة أخرى، فتكون علامة على محبة الله له، أما من استمرأ المعصية، وجعلها دَيدنَه، وتمادَى في الفساد دون خوف أو توبة، فإن له من العقوبة ما يناسب حاله من الغفلة والتمرد، فهو في حاجة إلى علاج أشدَّ وأسلوب آخرَ من التربية والزجر، وقد أشار إلى هذا المعنى الدقيق ابن القيم رحمه الله، فقال: "يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهَفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما ‌مَن ‌سقط ‌من ‌عينه ‌وهان ‌عليه، فإنه يخلِّي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدَث له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عينُ الإهانة، وأنه يُريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا عاقبة معها"[16].

 

وأستطيع القول: إن المحب الصادق لله تعالى قد يَزِل، لكن محبته تُثمِر يقظةً وتوبة، فيكون أدبُه من ربه بابًا إلى مزيد من القرب، لا إلى الطرد، أما من خلا قلبه من المحبة والاتباع، فاستمر في غيِّه، فإن لله فيه حكمة أخرى قد لا يدركها إلا مَن وعى سنن الله في عباده.

 

الثالث والعشرون: الواجب على العبد المحب لله تعالى أن يَحذَر كلَّ الحذر من الانحراف عن طاعة الله، أو التساهل والتفريط في الاستجابة لأوامره واجتناب نواهيه، فإن في ذلك حفظًا لنفسه ودينه، وسببًا لبقائه في دائرة العناية الإلهية والرعاية الربانية، وقد دلَّ على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ‌"احْفَظِ ‌الله ‌يَحْفَظْكَ"[17].

 

ومعنى ذلك كما قال ابن عثيمين رحمه الله: "أن من حَفِظَ حدود الله وشرائع الله، حَفِظَه الله في دينهِ وبدنهِ ومالهِ وأهلهِ وعرضهِ أيضًا"[18]، وهذا يوضِّح أن صدق الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم يقتضي التزامًا دائمًا بأوامر الله، وحذرًا من التفريط؛ لأن حفظ العبد لحدود الله سبب في حفظ الله له، جزاءً ووقايةً وتوفيقًا.

 

الرابع والعشرون: من سنن الله تعالى الثابتة في خلقه أن يبتلي عباده؛ ليَختبر صدقهم ويزكِّي نفوسهم، وقد قال سبحانه: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2]، والابتلاء لا يتعارض مع التقوى، بل قد يكون أشد على أهل الإيمان، كما وقع للأنبياء عليهم السلام وهم صفوة الخلق وأتقاهم، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌أَيُّ ‌النَّاسِ ‌أَشَدُّ ‌بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا، اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ، ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ"[19]، ولذلك فإن الابتلاء مهما اشتد لا يُقابَل بالتسخُّط عند أهل الإيمان الصادقين، بل يُستقبل برضا وتسليم، بل وقد يأنسون به، لما يرون فيه من أثر العناية الإلهية والتزكية الروحية، وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى هذه المعاني العظيمة، فقال: "إن المحبة كلما تمكَّنت في القلب ورسخت فيه، كان أذى المحب في رضا محبوبه مستحلًى غير مسخوط، والمحبون يفتخرون عند أحبابهم بذلك، حتى قال قائلهم:

لَئنْ سَاءنِي أَنْ نِلْتَنِي بَمسَاءةٍ
لَقَدْ سَرَّنِي أَنِّي خَطَرْتُ بِبَالِكَ

فما الظن بمحبة المحبوب الأعلى الذي ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له وإحسان إليه".

 

ثم قال رحمه الله: "ابتلاء المؤمن كالدواء له، يَستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصَت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاءُ ‌والامتحانُ ‌منه ‌تلك ‌الأدواء، ويستعدُّ به لتمام الأجر وعلوِّ المنزلة"[20].

 

والخلاصة: فالمحب الصادق لله تعالى، المتَّبع لنبيه صلى الله عليه وسلم، يعلم أن طريق المحبة محفوف بالابتلاء، ولكنه يحمل في طيَّاته رِفعة ومحبة واصطفاء، ويقود في نهايته إلى كمال الأجر ورضوان الله.



[1] صحيح البخاري، باب: ذكر الملائكة، رقم: 3209، صحيح مسلم، باب: إذا أحب الله عبدًا حبَّبه لعباده، رقم: 2637.

[2] المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز، آل عمران: 33، (1/ 422).

[3] تفسير القرطبي (4/ 60).

[4] تفسير السعدي (ص: 128).

[5] تفسير السعدي (ص: 235).

[6] جامع العلوم والحكم، الحديث الواحد والأربعون، ص 827.

[7] تفسير السعدي (ص: 318).

[8] الألباني، صحيح سنن الترمذي، باب: ذكر الشراب الذي أُهريق بتحريم الخمر، رقم: 5113.

[9] تفسير ابن كثير (2/ 321).

[10] تفسير السعدي (ص: 270).

[11] الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، الترغيب في كثرة الدعاء، وما جاء في فضله، رقم: 1627.

[12] تفسير الرازي (18/ 389).

[13] الترمذي، حديث رقم: 3490.

[14] رسائل ابن رجب الحنبلي، ‌‌الفصل الثالث: في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث، (4/53).

[15] الألباني، صحيح الترغيب والترهيب، الترغيب في التوبة والمبادرة بها وإتْباع السيئة الحسنة، رقم: 3139.

[16] زاد المعاد في هدي خير العباد، (3/ 727).

[17] الألباني، صحيح الترمذي، رقم: 2516.

[18] شرح كتاب الجامع، موقع أهل الحديث والأثر.

[19] سنن ابن ماجه، باب الصبر على البلاء، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، رقم: 4023.

[20] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، (2/ 188).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الملامح التربوية المستنبطة من قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ...}(1)

مختارات من الشبكة

  • الملامح التربوية والدعوية في سيرة عثمان وعلي رضي الله عنهما(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • الملامح الإيمانية والتربوية من الإسراء والمعراج (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {ولله جنود السماوات والأرض} ملامح تربوية - رؤية مستقبلية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التربية في القرآن الكريم: ملامح تربوية لبعض آيات القرآن الكريم - الجزء الثالث (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التربية في القرآن الكريم: ملامح تربوية لبعض آيات القرآن الكريم - الجزء الثاني (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • ملامح تربية الأجداد للأحفاد(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • ملامح عامة لكيفية معرفة مصادر تراجم العلماء وضبط أسمائهم(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • تعظيم الله وتقديره(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المعلم المحترف: الدليل الشامل للركائز الأساسية والتحولات التربوية المعاصرة(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • القيم التربوية في صلاة التراويح وانعكاساتها على سلوك الفرد(مقالة - مجتمع وإصلاح)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • سراييفو تختتم برنامجا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا
  • مسابقة قرآنية للفتيات المسلمات في قرية تيوبياك

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 20/1/1448هـ - الساعة: 16:20
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب